عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
315
اللباب في علوم الكتاب
فصل [ في احتجاج العلماء على أن تارك الواجب يستحق العقاب بمجرد أن لا يفعل الواجب ] احتجّوا على فساد قول أبي هاشم في أنّ تارك الواجب يستحقّ العقاب بمجرّد أن لا يفعل الواجب ، وإن لم يصدر منه فعل ضدّ ذلك الواجب بهذه الآية . قالوا : لأنّها تدلّ على أنّه لا جزاء إلّا على العمل ، وترك الواجب ليس بعمل ؛ فوجب أن لا يجازى عليه ؛ فثبت أنّ الجزاء إنّما حصل على فعل ضده . وأجاب أبو هاشم : بأنّي لا أسمّي ذلك العقاب جزاء ، فسقط الاستدلال . وأجابوا عن هذا : بأنّ الجزاء إنّما سمّي جزاء ؛ لأنّه يجزي ، ويكفي في المنع عن المنهيّ ، وفي الحثّ على المأمور به ، فإن ترتّب العقاب على مجرد ترك الواجب ؛ كان ذلك العقاب كافيا في الزّجر عن ذلك التّرك ، فكان جزاء ، فلا سبيل إلى الامتناع من تسميته جزاء . قوله تعالى : وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ الآية . أي : من بعد مضيّه وذهابه إلى الميقات والجارّان متعلّقان ب « اتّخذ » ، وجاز أن يتعلّق بعامل حرفا جرّ متحدا اللّفظ ، لاختلاف معنيهما لأنّ الأولى لابتداء الغاية ، والثّانية للتّبعيض ، ويجوز أن يكون « من حليّهم » متعلّقا بمحذوف على أنّه حال من عجلا لأنّه لو تأخّر عنه لكان صفة فكان يقال عجلا من حليهم . وقرأ الأخوان « 1 » من حليّهم بكسر الحاء ووجهها الاتباع لكسرة اللّام ، وهي قراءة أصحاب عبد اللّه وطلحة ويحيى بن وثاب والأعمش . والباقون بضمّ اللّام ، وهي قراءة الحسن وأبي جعفر وشيبة بن نصاح ، وهو في القراءتين جمع « حلي » ك « طيّ » ، فجمع على « فعول » ك « فلس » و « فلوس » فأصله : حلويّ كئدي في « ثدوي » ، فاجتمعت الياء والواو ، وسبقت إحداهما بالسّكون ، فقلبت الواو ياء ، وأدغمت ، وكسرت عين الكلمة ، وإن كانت في الأصل مضمومة لتصحّ الياء ، ثمّ لك فيه بعد ذلك وجهان : ترك الفاء على ضمّها ، أو إتباعها للعين في الكسرة ، وهذا مطّرد في كل جمع على « فعول » من المعتلّ اللّام ، سواء كان الاعتلال بالياء ك « حليّ » و « ثدي » أم بالواو نحو : « عصيّ » ، و « دليّ » جمع عصا ودلو . وقرأ يعقوب « من حليهم » بفتح الحاء وسكون اللّام ، وهي محتملة لأن يكون « الحلي » مفردا أريد به الجمع ، أو اسم جنس مفرده « حلية » على حدّ قمح وقمحة ، و « عجلا » مفعول « اتّخذ » و « من حليّهم » تقدّم حكمه . ويجوز أن يكون « اتّخذ » متعدية لاثنين بمعنى « صيّر » فيكون : « من حليّهم » هو المفعول الثاني . وقال أبو البقاء : « وهو محذوف ، أي : إلها » ولا حاجة إليه . والحلي : اسم لما يحسّن به من الذّهب والفضّة .
--> ( 1 ) ينظر : السبعة 294 ، والحجة 4 / 80 ، وإعراب القراءات 1 / 207 ، وحجة القراءات 296 ، وإتحاف 2 / 62 ، 63 .